العلامة المجلسي

326

بحار الأنوار

ما وجد بهذه الحروف من السماوات والأرضين وغيرهما فهي محسوسة ملموسة مذوقة مبصرة ، فالله مقدم بوجوده على الابداع الذي هو خلقه الأول ، لأنه ليس شئ قبله حتى يسبقه أيضا إبداع ، ولا كان شئ دائما معه ، والابداع متقدم على الحروف لوجودها به ، ومعنى كون الحروف غير دالة على معنى غير نفسها هو أن الحروف المفردة إنما وضعت للتركيب ، وليس لها معني تدل عليه إلا بعد التركيب ، وظاهر كلامه ( عليه السلام ) أن كل معنى يدل عليه الكلمات ويوضع بإزائها الألفاظ إنما هي محدثة ، وأما الأسماء الدالة على الرب تعالى فإنما وضعت لمعان محدثة ذهنية ، وهي تدل عليه تعالى ، ولم توضع أولا لكنه حقيقته المقدسة ، ولا لكنه صفاته الحقيقية ، لأنها إنما وضعت لمعرفة الخلق ودعائهم ، ولا يمكنهم الوصول إلى كنه الذات والصفات ، ولذا قال : ( لم يك إلا لمعنى لم يكن قبل ذلك شيئا ) وإن أمكن أن يكون المراد بها غير أسمائه تعالى . قوله ( عليه السلام ) : ( والصفات والأسماء كلها تدل على الكمال والوجود ) أي صفات الله وأسماؤه كلها دالة على وجوده وكماله ، لاعلى ما يشتمل على النقص كالإحاطة وقوله : ( كما تدل ) بيان للمنفي ، أي كأن يدل على الحدود التي هي التربيع والتثليث والتسديس ، ويحتمل أن يكون المعنى : لان الإحاطة تدل على أن المحاط مشتمل على الحدود . قوله ( عليه السلام ) : ( بمعرفتهم أنفسهم ) أي على نحو ما يعرفون أنفسهم ، أو بسبب معرفة أنفسهم . قوله ( عليه السلام ) : ( بالضرورة التي ذكرنا ) أي لأنه ضروري أنه لا يحد بالحدود ولا يوصف بها ، أو المعنى أنه تعالى لا يعرف بالتحديد لأنه لا يحل فيه الحدود ، وقد ذكرنا أنه ضروري أنه لاحد لغير محدود ، فلو عرف بالحدود يلزم كونه محدودا بها ، ولعل غرضه تنزيهه تعالى عن صفات تلك المعرفات بأن الحروف وإن دلت عليه لكن ليس فيه صفاتها ، والمعاني الذهنية وإن دلتنا عليه لكن ليس فيه حدودها ولوازمها . ثم استدل ( عليه السلام ) بأنه لابد أن ينتقل الناس من تلك الأسماء والصفات التي